سيد قطب
2806
في ظلال القرآن
الآية السابقة ؛ إنما هذه الإضافة هنا للتكريم . تكريم الرسول الذي يتهمونه بالافتراء . وإلقاء ظلال القربى بينه وبين ربه رب العالمين . ردا على الاتهام الأثيم . وتقريرا للصلة الوثيقة التي تحمل مع معنى التكريم معنى وثاقة المصدر وصحة التلقي . وأمانة النقل والتبليغ . « لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ، لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ » . . والعرب الذين أرسل إليهم محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - لم يرسل إليهم أحد قبله ؛ ولا يعرف التاريخ رسولا بين إسماعيل - عليه السّلام - جد العرب الأول وبين محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - وقد نزل اللّه عليه هذا الكتاب الحق ، لينذرهم به . « لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ » فهدايتهم مرجوة بهذا الكتاب ، لما فيه من الحق الذي يخاطب الفطر والقلوب . هؤلاء القوم الذين نزل اللّه الكتاب لينذرهم به رسوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - كانوا يشركون مع اللّه آلهة أخرى . فهنا يبدأ ببيان صفة اللّه التي يعرفون بها حق ألوهيته سبحانه ، ويميزون بها بين من يستحق هذا الوصف العظيم : « اللَّهُ » ومن لا يستحقونه ولا يجوز أن يقرنوا إلى مقام اللّه رب العالمين : « اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ، ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ . أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ؟ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ . ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ . الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ، وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ . ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ . قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ » . . ذلك هو اللّه ، وهذه هي آثار ألوهيته ودلائلها . هذه هي في صفحة الكون المنظور . وفي ضمير الغيب المترامي وراء إدراك البشر المحدود . وفي نشأة الإنسان وأطواره التي يعرفها الناس ، والتي يطلعهم عليها اللّه في كتابه الحق المبين . « اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ » . . والسماوات والأرض وما بينهما هي هذه الخلائق الهائلة التي نعلم عنها القليل ونجهل عنها الكثير . . هي هذا الملكوت الطويل العريض الضخم المترامي الأطراف ، الذي يقف الإنسان أمامه مبهورا مدهوشا متحيرا في الصنعة المتقنة الجميلة المنسقة الدقيقة التنظيم . . هي هذا الخلق الذي يجمع إلى العظمة الباهرة ، الجمال الأخاذ . الجمال الحقيقي الكامل ، الذي لا يرى فيه البصر ، ولا الحس ، ولا القلب ، موضعا للنقص ؛ ولا يمل المتأمل التطلع إليه مهما طالت وقفته ؛ ولا يذهب التكرار والألفة بجاذبيته . المتجددة العجيبة . ثم هي هذه الخلائق المنوعة ، المتعددة الأنواع والأجناس والأحجام والأشكال والخواص والمظاهر والاستعدادات والوظائف ، الخاضعة كلها لناموس واحد ، المتناسقة كلها في نشاط واحد ، المتجهة كلها إلى مصدر واحد تتلقى منه التوجيه والتدبير ، وتتجه إليه بالطاعة والاستسلام . واللّه . . هو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما . . فهو الحقيق - سبحانه - بهذا الوصف العظيم . . « خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ » . . وليست هي قطعا من أيام هذه الأرض التي نعرفها . فأيام هذه الأرض مقياس زمني ناشئ من دورة هذه